الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

29

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 8 ، 9 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 8 إلى 9 ] رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 8 ) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ( 9 ) دعاء علّمه النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، تعليما للأمة : لأنّ الموقع المحكي موقع عبرة ومثار لهواجس الخوف من سوء المصير إلى حال الذين في قلوبهم زيغ فما هم إلّا من عقلاء البشر ، لا تفاوت بينهم وبين الرّاسخين في الإنسانية ، ولا في سلامة العقول والمشاعر ، فما كان ضلالهم إلّا عن حرمانهم التوفيق ، واللطف ، ووسائل الاهتداء . وقد علم من تعقيب قوله : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ [ آل عمران : 7 ] الآيات بقوله : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا أنّ من جملة ما قصد بوصف الكتاب بأنّ منه محكما ومنه متشابها ، إيقاظ الأمة إلى ذلك لتكون على بصيرة في تدبّر كتابها : تحذيرا لها من الوقوع في الضلال ، الذي أوقع الأمم في كثير منه وجود المتشابهات في كتبها ، وتحذيرا للمسلمين من اتّباع البوارق الباطلة مثل ما وقع فيه بعض العرب من الردّة والعصيان ، بعد وفاة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، لتوهّم أنّ التديّن بالدين إنّما كان لأجل وجود الرسول بينهم ، ولذلك كان أبو بكر يدعو بهذه الآية في صلاته مدة ارتداد من ارتد من العرب ، ففي « الموطأ » ، عن الصّنابحي : أنّه قال : « قدمت المدينة في خلافة أبي بكر الصديق فصليت وراءه المغرب فقام في الثالثة فدنوت منه حتى إنّ ثيابي لتكاد تمسّ ثيابه فسمعته يقرأ بأمّ القرآن وهذه الآية : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا الآية . فزيغ القلب يتسبّب عن عوارض تعرض للعقل : من خلل في ذاته ، أو دواع من الخلطة أو الشهوة ، أو ضعف الإرادة ، تحول بالنفس عن الفضائل المتحلّية بها إلى رذائل كانت تهجس بالنفس فتذودها النفس عنها بما استقرّ في النفس من تعاليم الخير المسمّاة بالهدى ، ولا يدري المؤمن ، ولا العاقل ، ولا الحكيم ، ولا المهذّب : أيّة ساعة تحلّ فيها به أسباب الشقاء ، وكذلك لا يدري الشقي ، ولا المنهمك ، الأفن : أيّة ساعة تحفّ فيها به أسباب الإقلاع عمّا هو متلبّس به من تغيّر خلق ، أو خلق ، أو تبدل خليط ، قال تعالى : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ [ الأنعام : 110 ] ولذا كان دأب القرآن قرن الثناء بالتحذير ، والبشارة بالإنذار . وقوله : بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا تحقيق للدعوة على سبيل التلطّف ؛ إذ أسندوا الهدي إلى اللّه تعالى ، فكان ذلك كرما منه ، ولا يرجع الكريم في عطيته ، وقد استعاذ النبي صلّى اللّه عليه وسلم من